المقريزي

261

رسائل المقريزي

وقال أيضا : أنا يزيد بن الحباب ثنا معاوية بن صالح أنبأنا عبد الرحمن بن جبير ابن نفير الحضرمي عن أبيه عن عمرو بن سمعة يقول : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : « إذا أراد الله بعبده خيرا عسله قبله » . قيل : وما عسله ؟ قال : « يفتح له عملا صالحا بين يدي موته حتى يرضى من حوله » « 1 » . وهذه مسألة من مسائل أصول الدين مهمة جرى فيها خلاف كبير بين الأشاعرة « 2 » وبين الماتريدية « 3 » من الحنيفة ، وهي مسألة الموافاة . فذهب أصحابنا الأشعرية ومن تابعهم إلى القول بالموافاة ، وهي أن العبرة في حال العبد المكلف بالخاتمة لأعماله ، فمن ختم له من الناس بالإيمان تبين أنه كان عند الله مؤمنا من الابتداء ، وأنه كان حين يخر ساجدا للصنم معتقدا للشرك مصرحا بأنه ند لله تعالى كان مؤمنا ، ومن ختم له بالكفر - نعوذ بالله من ذلك - تبين أنه كان كافرا من الابتداء ، وحين كان مصدقا لله ولرسوله كان عند الله كافرا « 4 » . ومنع الماتريدية أصحاب أبي منصور الماتريدي من الحنفية « 5 » هذا القول وأبطلوه واحتجوا بأن الإيمان هو التصديق بما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلّم من عند الله تعالى ، وهو أمر حقيقي لا يتبين بانعدامه أنه ما كان موجودا ، كمن كان قائما ثم قعد ، أو كان شابا ثم شاخ لم يتبين أنه كان قائما ولا شابا .

--> ( 1 ) رواه أحمد ( 5 / 224 ) ، وابن حبان ( موارد : 1822 ) ، وابن أبي عاصم في السنة ( 1 / 175 ) ( 400 ) ، والطحاوي في « مشكل الآثار » ( 3 / 261 ) ، والبخاري في « تاريخه الكبير » ( 8 / 302 ) ، والحاكم ك : الجنائز ( 1 / 340 ) وصححه وأقره الذهبي . ( 2 ) الأشاعرة : نسبة إلى الإمام الحسن علي بن إسماعيل الأشعري أحد الأئمة الأعلام . انظر ترجمته في « وفيات الأعيان » ( 2 / 446 رقم 402 ) لابن خلكان . ( 3 ) نسبة إلى الإمام المتكلم أبى منصور الماتريدي الحنفي وكان مذهبه ذائعا في أقصى المشرق ، وبينه وبين أبي الحسن الأشعري تشابه كثير في الأصول . انظر مقدمة مقالات الإسلاميين ( 3 / 26 ، 27 ) . ( 4 ) وذهب هؤلاء إلى أن الإيمان الذي يعقبه الكفر فيموت صاحبه كافرا ، ليس بإيمان ، كالصلاة التي أفسدها صاحبها قبل الكمال ، وعند هؤلاء أن الله يحب في الأزل من كان كافرا إذا علم أنه يموت مؤمنا ، فالصحابة ما زالوا محبوبين قبل إسلامهم ، وإبليس ومن ارتد عن دينه ما زال الله يبغضه وإن لم يكفر بعد ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ، وابن أبي العز « شارح الطحاوية » : وهذا مأخذ كثير من الكلابية وغيرهم وليس هذا قول السلف ، ولئن كان يقول بهذا من يستثنى من السلف في إيمانه ، وهو قول فاسد . انظر تفصيله ، والرد عليه في « شارح العقيدة الطحاوية » ( 325 ، 326 ) لابن أبي العز الحنفي ، « الإيمان » للإمام ابن تيمية ( 330 ، 331 ) . ( 5 ) وهو مذهب كل من جعل الإيمان شيئا واحدا ، وعندهم من استثنى في إيمانه فهو شاك فيه ، وسموا الذين يستثنون في إيمانهم الشكّاكة . انظر شرح الطحاوية ( 337 ) .